القاضي التنوخي

210

الفرج بعد الشدة

كنيف ، وأغلق عليّ خمسة أبواب ، فكنت لا أعرف الليل من النهار . فأقمت على ذلك عشرين يوما ، لا يفتح عليّ الباب إلّا دفعة واحدة في كلّ يوم وليلة ، يدفع إليّ فيها خبز وملح جريش ، وماء حار ، فكنت آنس بالخنافس ، وبنات وردان « 17 » ، وأتمنّى الموت من شدّة ما أنا فيه . فعرض لي ليلة من اللّيالي ، أن أطلت الصلاة [ 32 ظ ] ، وسجدت ، فتضرّعت إلى اللّه تعالى ، ودعوته بالفرج ، وقلت في دعائي : اللّهم ، إن كنت تعلم [ أنّه كان لي في دم نجاح بن سلمة « 18 » صنع ، فلا تخلّصني مما أنا فيه ، وإن كنت تعلم ] « 19 » أنّه لا صنع لي فيه « 20 » ، ولا في الدّماء الّتي سفكت ، ففرّج عني . فما استتممت الدّعاء ، حتى سمعت صوت الأقفال تفتح ، فلم أشكّ أنّه القتل ، ففتحت الأبواب ، وجيء بالشّمع ، وحملني الفرّاشون ، لثقل حديدي . فقلت لحاجبه « 21 » : [ سألتك ] 22 باللّه ، اصدقني عن أمري . فقال : ما أكل الأمير اليوم شيئا ، لأنّه أغلظ عليه في أمرك ، وذلك أنّ

--> ( 17 ) بنت وردان : دويبة كريهة الرّائحة ، تألف الأماكن القذرة في البيوت ، أقول : وتسمّى الآن ببغداد : مردانة ، وجمعها مردان . وما أحسن ما وصفها به الشّاعر ( نهاية الأرب 10 / 153 ) : كمثل أنصاف بسر أحمر تركت * من بعد تشقيقه أقماعه فيه ( 18 ) أبو الفضل نجاح بن سلمة الكاتب : كان إليه في السنة 245 في دولة المتوكّل ، ديوان التوقيع والتتبّع على العمّال ، فسعى عند المتوكّل بالكتّاب ، وكان الوزير عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان يعنى بهم ، فأوعز إليهم ، فسعوا بنجاح عند المتوكّل ، وضمنوه بألفي ألف دينار ، فأسلمه المتوكّل إليهم ، فضربوه بالمقارع مرارا ، وعذّبوه ، وخنقوه ، فمات ( تجارب الأمم 6 / 552 - 554 ) راجع في الطبري 9 / 216 و 217 كيفيّة تعذيبه وموته . ( 19 ) الزيادة من غ . ( 20 ) لاحظ أنّ اعتقال إيتاخ وسليمان بن وهب كاتبه ، جرى في السنة 235 ، وأنّ إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ توفّي في نفس السنة ، وأنّ مقتل نجاح بن سلمة كان في السنة 245 . ( 21 ) حاجب الأمير إسحاق بن إبراهيم المصعبيّ .